السبت، 9 أبريل 2011

لا لجمعة التطهير



السياسات الجيدة ليست ضمانة اكيدة للنجاح ، انما السياسات السيئة ضمانة اكيدة للفشل . دوايت أيزنهاور

...

راقبت على مدى الإسبوع الماضي دعوات الحشد لجمعة "التطهير" وبقدر ماتمنيت دائماً أن تظل المليونيات حاضرة وفعالة كأداة ضغط لإنجاح الثورة ، بقدر ماتمنيت أن يتغير هدف هذا الحشد أو أن لا يحتشد من الأساس ، فكلمة التطهير في حد ذاتها كلمة مروعة ، مخيفة ، تتسع لكثير من التأويلات ، بدءًا من العزل، مروراً بالإقصاء أو المحاكمة، إنتهاءً بالإعدام ، وكانت هذه الكلمة هي بداية الدم في الثورة الفرنسية ، وعماد فلسفة روبيسير الذي نادي بضرورة التخلص من جسد الدولة (أفراد الدولة) حتى تنجو الروح ، وكان نتيجة ذلك أن سالت أبحر دم لم تجف إلى أن إنقلب السحر على الساحر وسالت دماء روبيسير شخصياً حين أعدم تحت المقصلة في ميدان الكونكورد . بل إن الأمثلة كثيرة على إبتلاع العنف لمن صدروه ، رولاند وزير الداخلية الذي أيد مذابح السجون وإعتبرها تمثيل للعدل الإجتماعي لم يلبث أن فقد زوجته تحت المقصلة فما كان منه الا أن هرب وانتحر . وقد لفظت المقصلة رؤوس أغلب فلاسفة الثورة الفرنسية ومفكريها ، حتى الدكتور جيوتين مخترع المقصلة كاد أن يفقد رأسه هو شخصياً تحت مقصلته ، فحيثما دارت ماكينة العنف فلا إيقاف لها قبل نفاذ الوقود وهو غالباً من لحم ودم .

من المهم للغاية أن ندرك خطورة حشد الملاين طلباً للقصاص ، فهل نتخيل أن مثل هذا الحشد قد يرضى بديلاً عن إعدام كل من ورد إسمه أو سيرد ؟ وهل نظن أن هكذا حشد من الممكن السيطرة على رد فعله ؟ في ظل بيئة خصبة للإشاعات تتحول لحقائق يقينية دون سند ، سيصدر العقل الجمعي حكمه قبل القضاء وسينفذه بيديه إن لم ينفذ بيد القانون ، فعادةً مايتحول طلب القصاص تلقائياً لطلب إنتقام ، والفرق كبير وعظيم ، ومهما كان كبر وعظم الجرم  ، وجب للعدل أن يجد مكاناً داخل ثورة قامت تنادي به ، فلو نادينا بالعدل لنا ، فمن الأجدى بنا أن نطبقه على من ظلمونا ، وإلا فما الفرق بيننا وبينهم .
و ما هو المقصود بالتطهير  تحديداً ؟ وإلى أي عمق نريد للمشرط أن يغوص في جسد الدولة ؟ إن الفساد في مصر كان شبه إجباري ، وشبه رسمي ، ولم ينجو من ممارسته بشكل أو أخر أغلب موظفي الدولة ومن تعاملوا معها سواء وافق ذلك هواً في نفوسهم أو فقط أثروا السلامة ، وسواء لقبض الثمن أو فقط للمحافظة على الرزق الحلال . وليس من الإنصاف بمكان أن نحاسب من فسدوا في المطلق ، بمعزل عن البيئة المحيطة ، فحين يصبح الفساد قانوني ، وجب التفرقة بين من مارسوا القانون ومن صاغوه  ، بين من فسدوا ومن أفسدوا .
وهل من الحكمة أن نذهب بدعوات التطهير إلى داخل المؤسسة العسكرية ؟ مهما كان داخلها من فساد ومهما بلغنا حد اليقين في شكوكنا في عقد صفقات أو قيادة ثورات مضادة داخل تلك المؤسسة  ؟
لابد أن ندرك أن الحفاظ على وجود تلك المؤسسة قوية ومتماسكة هو  مطلب أصيل من متطلبات الحفاظ على الوطن وبالتالي من متطلبات الثورة . إن الموقف أدق كثيراً من أن ندمر أخر اسلحتنا ، فمصر ليست وحيدة في هذا الكوكب ، ولسنا بمعزل عن حقائق القوى الخارجية وإملأتها حتى نذهب فنسقط أخر حصون هذا الوطن .
إن تماسك المؤسسة العسكرية هو المانع الوحيد أمام إسرائيل من أن تتحرك لشط القناه بدعوى تأمين العمق الإستراتيجي لإسرائيل أمام زحف محتمل ، وهو المانع الوحيد أيضاً أمام الأسطول الأمريكي من السيطرة على قناة السويس من أجل تأمين تجارته الأربح .

ولماذا الماضي ، والماضي فقط هو كل مايشغلنا الأن ؟ لماذا  نسير للخلف بدعوى التطهير، لماذا نريد أن ندور 180 درجة ، ونصدر مؤخرتنا للعالم يفعل بها مايشاء .
لا يختلف أحد على وجوب المكاشفة، والمحاسبة والعقاب لمن من أساءوا ومن أفسدوا ، فهذا هو العدل ، والعدل فقط هو مايجب تطبيقه بعيداً عن دعوات التشفي والإنتقام ، ومن الخطأ أن يشغلنا تطبيق العدل عن إرساء أركانه ، والحق اننا مازلنا بعيدين عن ذلك ، فلا حديث عن عدل بدون قوة ، فمصر قوية كدولة هي الضمانة الوحيدة لإرساء أركان العدل وضمان تطبيقه .
إن العمل على بناء مؤسساتنا قوية مستقلة محكومة بقوانين وروابط  هو مطلب لابديل عنه ، ولا وقت لغيره ، فهو ما سيأتينا بأسباب العدل ، وأساليب تطبيقه على كل ماكان وما سيكون .
حين لايسمح الوقت ولا الظروف سوى بمعركة واحدة ، يكون من الذكاء أن نختار معركة جامعة ، نحقق فيها أكبر قدر من أهداف كل المعارك المطلوبة ، وكم كنت اتمنى أن يجتمع هذا الحشد العظيم على مطلب إنتخاب لجنة تأسيسية لدستور مصر بدلاً من ترك تعيين لجنة الدستور للبرلمان  والإعلان الدستوري لايلزم البرلمان بأي شروط في إختيار اللجنة ، فقد تكون من داخل أعضاء البرلمان ، وهو أبعد مايكون عن الحيادية ولا ضمان لتمثيله الحقيقي لكل أطياف الشعب ، فكيف للبرلمان أن يكون حيادياً في مناقشة وإقرار صلاحيات نفسه !
كيف نتوقع من هكذا لجنة أن تناقش حاجة مصر لمجلس شورى من عدمها حين يكون من بين أعضاء اللجنة أعضاء في مجلس الشورى ؟  وكيف للجنة أن تناقش مبدأ الفلاحين والعمال حين يكون ضمن أعضائها من دخلوا البرلمان تحت هذه المظلة ؟ ونعلم جمعاً أن اغلبهم ليسوا بفلاحين ولا عمال ! ربما كنا في حاجة إلى مجلس شورى أو نسبة للفلاحين والعمال ، وربما لا ، فقط نريد أن نضمن حيادية من سيناقشون دستور مصر بما فيه من شروط واشكال تكوين برلمان مصر .
إن من أسباب ضعف مصر سابقاً هو دستور سمح بوجود رئيس أقوى مما ينبغي، وبرلمان أضعف مما ينبغي ، أخشي أن نترك الدستور للبرلمان ، فنحصل على برلمان أقوى مما ينبغي ورئيس أضعف مما ينبغي .


أحد الضباط الأحرار بعد نجاح ثورة 52 : يجب أن نحاكم الملك ونعدمه
رد ضابط أخر من الضباط الأحرار : إذا كنت قد قررت سلفاً أن تعدمه ، فلماذا تريد أن تحاكمه



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق